أحمد بن علي القلقشندي
304
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ما تأخير مولانا بحر العلم وشيخه عن رؤية هذا الما ؟ ، وما قعاده عن زرقة هذا النّيل الذي جعل الناس فيه بالتّوبة كالملائكة لمّا غدا هو أيضا كالسّما ؟ ، وكيف لم ير هذا الطَّوفان الذي استحال للزّيادة فما أشبه زيادته بالظَّما ؛ فهي كزيادة الأصابع الدّالَّة في الكفّ على نقصه ، وأولى أن ننشد بيت المثل بنصّه : طفح السّرور عليّ حتّى إنّه من عظم ما قد سرّني أبكاني ! فإنه قارب أن يمتزج بنهر المجرّة بل وصل وامتزج ؛ وأرانا من عجائبه ما حقّق أنه المعنيّ [ بقول القائل ] : « حدّث عن البحر ولا حرج » ؛ وتجاوز في عشر الثّلاثين الحدّ ، وأرانا بالمعاينة في كلّ ساحل منه ما سمعناه عن الجزر والمدّ ، وأساء في دفعه فلم يدفع بالتي هي أحسن ، وأقعد الماشي عن التّسبّب والحركة حتّى شكا إلى اللَّه في الحالين جور الزمن ، وسقى الناس من ماء حياته المعهودة كما شربوا من الموت أصعب كأس ، وسئل ابن أبي الرّدّاد ( 1 ) عن قياس الزيادة فقال : زاد بلا قياس ؛ امتلأ اليباب ، وهال العباب ، وضاع العدّ واختلط الحساب ؛ كال فطفّف ، وزار فما خفّف ؛ غسل الجسور ، وأعاد الإملاق بعزمه إلى البحور ، وبرع فكان أولى بقول الحلَّي من ابن منصور : بمكارم تذر السّباسب أبحرا وعزائم تذر البحار سباسبا !
--> ( 1 ) قال المقريزي في كلامه على « مقياس » النيل : « المقياس الذي يقاس فيه ماء النيل اليوم ، ويقال له المقياس الهاشمي ، وهو آخر مقياس بني بديار مصر . قال أبو عمر الكنديّ : وورد كتاب المتوكل على اللَّه بابتناء المقياس الهاشمي للنيل ، وبعزل النصارى عن قياسه ، فجعل يزيد بن عبد اللَّه بن دينار - أمير مصر - أبا الردّاد المعلم ، وأجرى عليه سليمان بن وهب ، صاحب الخراج ، في كل شهر سبعة دنانير ، وذلك في سنة 247 ه . وعلامة وفاء النيل ستة عشر ذراعا ، أن يسبل أبو الردّاد قاضي البحر الستر الخليفيّ على شباك المقياس . فإذا شاهد الناس هذا الستر قد أسبل تباشروا بالوفاء واجتمعوا على العادة للفرجة » خطط : 2 / 185 - راجع أيضا : الصبح : 3 / 512 - 513 .